بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 27 سبتمبر 2009

كائنات العدوي الفكرية : اقتراح النموذج



في عدد شرفات السابق رقم (285)  نشر المفكر العماني خميس بن راشد العدوي مقالا بعنوان "المتبقي في الفكر"، المقال المكتوب أدناه لا يأتي من قبيل مقالات الرد بل هو مقال معاضد للفكرة ، مشدد عليها.

غابة الكائنات
الأفكار هي تلك الكائنات البيولوجية التي تتحرك وفق محددات لينة مرنة، داخل الدماغ على الأرجح، ليس الإنسان من يفكر إن نحن ابتغينا الدقة، إنها تلك الغابة من الكائنات المتفاعلة داخليا، والتي تستمد طاقتها البيولوجية من الجسد، وسلوكها من طبيعة العلاقات الداخلية فيما بينها، وتمارس تغيرا دائما مع الزمن من خلال هذا التفاعل الداخلي من جهة ومن خلال التغذية الراجعة في اتصالها بالمحيط عبر قنوات الحس  من جهة أخرى. سأقترح هنا نموذجا قابلا للتعديل بالطبع، التعديل من قبل آخر حتى لا أقع تحت شرك المتبقي الذي لا أبصره، يصور هذا النموذج التفكير على أنه منظومة مفتوحة، والمنظومة المفتوحة هي مجموعة من العناصر أو الكائنات التي تربط بينها علاقات، وتستهلك المدخلات فيما تنتج بدورها مخرجات خلال عملية التطور الداخلي.

منظومة التفكير / البنية الداخلية
‌أ)             وحدات التفكير : تتكون منظومة التفكير من وحدات أساسية، هي الكائنات الفكرية، مثل فكرة القلم وفكرة الجري( إن لهذه الفكرة تركيبتها الداخلية أيضا كما أنها لا يجب أن تتطابق مع الواقع إنما يفترض بها الاتساق مع علاقات أو قوانين منظومتها).
‌ب)          العلاقات: تتفاعل هذه الكائنات من خلال علاقات محددة قابلة للتغير كما هو حال الوحدات الأولية، تحدد هذه العلاقات السلوك أو لنقل ناتج الاتصال بين وحدتين.
‌ج)           المنظومات الجزئية : تتجمع الكائنات الفكرية في عناقيد مترابطة، لتشكيل منظومات تفكير جزئية، مثل الخرافات والأخلاق والمنطق والنحو وأصول الفقه ونحوها،  تترابط هذه المنظومات بدورها لتكوين منظومة التفكير الكلية،وقد تعيش هذه المنظومات الجزئية متجاورة في سلام رغم التعارض المنهجي بينها مثل المنظومة التي تجمع الخرافات وتلك التي تعنى بالمنطق أو علم الأحياء مثلا، وهو ما يفسر جزئيا وجود علماء ذرة أو فيزياء ناجحين وهم في الوقت نفسه مخلصين مصدقين بالبوذية مثلا، ذلك ما يسميه البعض بالازدواجية.


منظومة التفكير / البنية الخارجية
‌أ)     الاستقبال: يتعرض الإنسان لعمليات ضخ مستمرة للبيانات من البيئة المحيطة، تدخل من قنوات خاصة هي قنوات الحس، تكون على هيئة شفرات خاصة تتوافق مع طبيعة القناة، أمواج صوتية (ميكانيكية) فيما يتعلق بالأذن أو كيميائية فيما يتعلق بالأنف، ما يحدث لاحقا لهذه الشفرات هو عملية ترجمة، تحويل إلى طبيعة تتوافق مع منظومة التفكير، وبالتالي يمكن معالجتها من خلال العلاقات باعتبارها كائن فكري.
‌ب)  الإرسال: بالطريقة ذاتها لكن في طريق عكسي يتم توليد كائنات فكرية، تترجم إلى طبيعة تتوافق مع القناة الخارجية مثل الحركة أو الكلام.


منظومة التفكير /آلية العمل
يخضع كل كائن فكري يدخل المنظومة إلى عملية قراءة أو تأويل تتحدد من خلاله أي منظومة جزئية ستعالجه، فالجلوس في صف الرياضيات مثلا يستدعي منظومة مختلفة عن تلك التي تستحضر عند الاستماع إلى عضة مهيبة من شيخ وقور، وإذا كانت هاتان المنظومتان من طبيعة متشابهة قابلة للتراسل المشترك والتأثر والتأثير فيما بينها فإن رؤية كلب عقور وأنت على قدميك تستدعي منظومة مختلفة تماما.
بعد دخول الكائن الفكري تتم عملية استدماج، يُضم إلى المنظومة أو يحل محل كائن سيتم استبعاده،وبالتالي يحدث نمو أو تغير في بنية المنظومة الجزئية كمّاً ونوعا، تقرأ المنظومة الكائن الداخل حديثا من خلال كائناتها وعلاقاتها، ولذلك تحدث عمليات الفهم المختلفة، فكائنات كل فرد مختلفة عن الفرد الآخر عادة، ومن هنا يحدث سوء الفهم أيضا. وللسبب ذاته تقوم عمليات الحوار والتواصل الدائم بين أفراد الحارة الواحدة أو بين الأصدقاء أو الفرقاء على تعزيز الشبه بين هذه الكائنات.
تقوم المنظومة الجزئية بعملية رفض للكائن الفكري عند اكتشاف عدم التوافق، مثلا عندما تقول لطالب رياضيات أن واحد زائد واحد يساوي ثلاثة، أو تقول لأحد عُبّاد الشمس أنها مجرد كرة نار لا أكثر ويوجد منها الكثير في الكون، إن للمنظومة آليات دفاع تمنع من انهيارها، لا يفترض بها أن تكون منطقية، المهم أن تكون مقبولة ضمن قوانين المنظومة فقط لا أكثر.
عندما تعجز المنظومة عن الرفض ، بسبب وجود تعزيز من كائنات أخرى داخل المنظومة، يدخل الكائن الفكري إلى جسد المنظومة وإنْ في وضعية قلقة، إنه لا يلبث أن يصنع اهتزازات في بناء المنظومة أو ربما يفتح الباب السري لكائنات ستساهم لاحقا في عملية انهيار، المثال : من يبني إيمانا عميقا بشيء ما مستندا إلى قدوة ما، شخصية حية أو تاريخية، ثم يحدث ما يكشف له "خواء" تلك القدوة، إن ذلك ولا شك سيصيب منظومة إيمانه ذاك بانهيار ، وربما هزات لكل المنظومات الجزئية  ذات الصلة، وإذا كانت تلك القدوة تشكل إحدى قواعد المنظومة فقط فإن كائنا فكريا صغيرا سينمو هناك، وسيجبر المنظومة على إعادة هيكلة ذاتها إما من خلال الاستغناء عن تلك القاعدة وتدعيم بقاءها أو من خلال نقل القلقة إلى بقية القواعد تهيئة لانهيار مستقبلي.

الانهيار وإعادة البناء
 لا تلبث منظومة التفكير الكلية المتابعة للحدث من اكتشاف الفجوة الناتجة عن الانهيار، وبالتالي تحدث عملية بناء أو لنقل عملية ترميم فأي منظومة جزئية جديدة بديلة ستتخذ لذاتها نفس القواعد، أو أنها ستبدأ من حيث انتهى الانهيار، يعتمد ذلك على فداحة الانهيار. لا يحدث الانهيار لمنظومة التفكير الكلية، إن ذلك يعني الجنون الخالص، انفصال عن العالم كُليةً، أو الموت وتحلل الجسد الحاضن لهذه الأبنية البيولوجية.

حرب المنظومات
تتعايش المنظومات باعتبارها كائنات في المنظومة الكلية، لكن الفصل بينها ليس حديا كما يتبدى للذهن، إن بينها علاقات وبعضها ينبني على بعض، وقد تتشارك في بعض الكائنات الفكرية، وقد تجري على الكائن الفكري انسحابات وتغيرات ونمو واستقطاعات تبعا لتغيرات المنظومات الجزئية ونسب انهياراتها، تحدث أيضا عملية صراع بين المنظومات على تحديد المناطق المتنازع عليها في أرض الواقع ،مثل دوران القمر وموت الإنسان، هل يحدث لأسباب مادية أم غيبية مثلا، ونرى تمظهراتها الخارجية في ما يحدث بين المناهج المادية والغيبية والمناهج المزدوجة مثلا.

فناء المنظومات
إن هذا التغير  المتكرر مع الزمن الطارئ  على المنظومات في اتصالها المستمر بالواقع، وطبيعة التشويش التي تحدث عند انتقالها من كائن إلى آخر ، أو من جيل إلى جيل، سيؤدي حتما إلى فناء المنظومة بطريقة غير ملاحظة لتنشأ مكانها منظومات أخر، وذلك على مستوى الجماعة، مثلما نلاحظ في موت اللغات وتحور الأفكار الشديد عبر السنوات، ولذلك لا نجد مذهبا فكريا أو رؤية عقدية إلا وتحدث له تلك التغيرات التي تلغي بُنوّته للمصب المفترض، وأحسب أن ذلك من جماليات الوجود تلك الحركة الدائبة من الموت والحياة.

المتبقي
أين يقبع المتبقي فيما سلف من حديث؟ إنه هناك تستطيع رؤيته فيما أعجز أنا عن ذلك، لكن المتبقي الذي تبصره لن يبصره سواك، فهناك متبق لكل قارئ، أو هناك متبقيات بعدد القراء، والسبب أن لكل مفكر (إنسان أيا كان) منظوماته الخاصة المتكونة عبر الزمن كما أسلفت، ولأن الإنسان – وبلغة عدوية هذه المرة -  لا ينتبه إلى أن متبقيه يسهم في قراءة متبقي الآخر، وذلك ما يجعل المتبقي بال التعريف غير موجود أصلا إلا كما توجد كلمة إنسان ، يتعدد تماما كما هي الحقيقة تتعدد بتعدد المحقين، رغم أننا نتفق على تسميتها بالحقيقة.
أسوق هنا تحيتي الخالصة للعدوي، في ذمه البواح للجمود، الذي هو آلية من آليات المنظومات في الدفاع عن مبانيها، وفي إدراكه الجميل لحركة الزمن التي لا تتوقف.
إن الحوار الجمعي الدائم - كما أعيد هنا ما فهمته من مقال العدوي - يسهم في اكتشاف المتبقي (البنية الشعورية التي تتحكم في التفكير)، لكن ذلك يعتمد على الصدق مع الذات في بحثها عن متبقيها، إلا أنه ولا شك  يسهم في تجويع وضمور متبقي الجماعة، وبالتالي يمهد لعمليات الانهيار والترميم تلك العمليات الضرورية لا لنكون مستعدين للمستقبل بل لنسهم في صناعته.

أنا المثقف الأعلى




محاولة اجتراح تعريف تشبه الوقوف داخل غرفة لا نهائية الأبواب ، ذلك أن التعريف - أي تعريف - غرضي في الأساس ، إننا نختار الوجه الذي نحتاج إليه من أجل خدمة التحليل ، أو ربما وفي أحيان كثيرة من أجل خدمة توجهاتنا الأيديولوجية ، إننا ننطلق من قاراتنا المعرفية ؛ خبراتنا وانتماءاتنا واهتماماتنا المعرفية ، في بناء وتشكيل التصور ، وبالرغم من ذلك ومهما اتسمنا بموضوعية خارقة ، وتجردنا من كل تأثير خيّر أو شرير فإن التعريف يظل محتفظا بطبيعته الموجهة ، التي تحدد وتقصي .


أحاول هنا تعريف المثقف من خلال لغة فرويدية ، لكن في سياق يمتد باتساع ، ما يحدث بالتحديد هو عملية ربط بين تصور خاص للظاهرة وفهم معين للتحليل النفسي الفرويدي ، وكنتيجة لذلك فإن التعريف يستبعد بعضا ويضيف بعضا آخر ، وهو بذلك يعلن عمليات إقصاء وتلك هي – كما قلت – طبيعة كل تعريف ، إنها تقصي بقدر ما تحدد .


بالطبع فإن شقي العملية التي أقوم بها هنا التصور الخاص والتفسير الفرويدي يأتيان عبر طرق لا بأس من ذكر إشكالاتها هنا للأمانة ، ذلك أن التصور الخاص للمثقف يأتي من قراءات معاصرة وتاريخية ومشاهدات في المجتمع المحلي وتجارب ذاتية لا من جداول إحصائية صارمة ، أما فرويد فيأتي من ترجماته العربية وبعض المصادر الإنجليزية الالكترونية ما يعني فقدان الاتصال بالأصل ، كما أنه لا يلقي بالا للتعديلات اللاحقة التي وضعت على أيدي مفكرين لاحقين.


لقد واجه فرويد ما يمكن تسميته بـ"النظام المعتم" (الإنسان) ، حيث تبدو الظاهرة خفية مغطاة لا تمكن مراقبة آلية عمل أجزاءها الداخلية ، لكن يمكن تحديد المدخلات (الخبرات) والمخرجات (السلوك) ، في هذه الحالة يلجأ المنظّر إلى بناء نموذج ، النموذج عبارة عن جهاز مفهومي يستهلك وينتج نفس القيم إلى حد تقريبي لكنه لا يشبه بالضرورة التركيبة الداخلية الحقيقية للظاهرة ، وتعتمد بنيته على الخبرات السابقة للمنظّر ، بالنسبة لفرويد يبدو أن علوم الفيزياء والديناميكا الحرارية ومفاهيم التطور تشارك بحصص أساسية في بناء هذا النموذج ، حيث تظهر أمامنا ثلاثة أنظمة تتبادل الطاقة ومبادئها وتتشكل بها وتنتج السلوك البشري من خلال تفاعلاتها.


أنظمة متداخلة

يخرج الطفل إلى العالم – حسب فرويد – بنظام نفسي وحيد يسمى "الهذا" أو "الهو" ، يقوم باستقبال
حاجات الجسد البيولوجية فتسبب له حالة من تزايد الطاقة ، وتنتقل به من مستوى طاقة أقل إلى وضع استثارة وهو وضع غير مستقر ، مما يدفعه إلى محاولة العودة وفق مبدأ يدعى مبدأ اللذة ؛ إن نظام الهو لا يدرك سوى عالمه الداخلي ، سوى الألم المتحقق بسبب تزايد الطاقة ، سوى اللذة المتحققة جرّاء عودته للوضع المستقر ، هو كينونة لامنطقية ولاأخلاقية بل أنه لا معنى لهذه المفردات في عالمه.


في فترة لاحقة يبدأ نظام آخر بالتوالد والتمايز عن الهو ؛ نظام "الأنا" ، ويبدو أن هذا النظام ينشأ من التفاعل مع الواقع الخارجي ، إنه بصورة ما ابن هذا الواقع يعمل حسب مبادئه ، وهو وسيلة التواصل بين الهو والعالم الخارجي ، ففي اللحظة التي تكون فيها غريزة الجوع هي التمثيل السيكولوجي داخل الهو لنقص الطاقة البيلوجي في أنسجة الجسم يصبح البحث عن الغذاء مهمة الأنا ، يقوم الأنا بالتفكير في الطرق الواقعية التي توصله إلى الطعام عبر وضع خطة مثل الصعود إلى أعلى شجرة مثمرة أو الذهاب إلى المطبخ أو المطعم أو ربما سلب أحد المارة إذا ضمن السلامة بعد القيام بالفعل ، يستخدم فرويد مثال الفارس لتوضيح العلاقة بين الأنا والهو ، فالفارس (الأنا) يحاول توجيه القوة الهائلة التي يمتلكها الفرس (الهو) ، لكن ذلك لا يعني أن الفارس في مأمن من لحظة هيجان يفقد فيه السيطرة على الفرس ، في النموذج يتوجب على الأنا أن يتحرك ضمن ثلاثة اعتبارات ؛ الاحتياجات الإلتذاذية للهو من جهة والمتطلبات اللامنطقية للأنا الأعلى وإكراهات الواقع .


في الطفولة المبكرة جدا يشرع الأنا في تحقيق رغبات الهو دون وعي "أخلاقي" ، في حين يمارس الأبوان (المجتمع) نظاما من الثواب والعقاب على السلوكات (المسالك)الحسنة والسيئة ، وذلك يؤدي إلى تكوين الأنا الأعلى والذي يكون عبارة عن نظامين جزئيين ؛ الوعي (الضمير) والذي ينتج عن عمليات العقاب ، والأنا المثالي الناتج عن عمليات الثواب ، يستدمج الأنا الأعلى هذه الممارسات ليصبح بعد ذلك هو الممثل القيمي لأخلاق المجتمع ومثالياته كما يطرحها المحيط المباشر، الأنا الأعلى هو النظام الثالث في النموذج الفرويدي ، إنه بصورة ما جهاز الرقابة الذي يحصي أنفاس الأنا ويدفعه إلى ممارسة كبت على رغبات الهو الأبيقورية من خلال إرسال دفعات الإحساس بالذنب أو النقص في اللحظة التي يفكر فيها الأنا بالقيام بسلوك يتعارض مع العالم المثالي للأنا الأعلى .


إن الأنا الأعلى كينونة لامنطقية وغير معنية بالواقع ، وما يهمه هو مثالياته التي يحاول فرضها على حساب الأنا والهو ، وهو بذلك يتشابه مع الهو في اللاواقعية ومع الأنا في محاولة فرض السيطرة على السلوك ، إن هذه الطبيعة القامعة للأنا الأعلى ضرورية لحفظ المجتمع والإبقاء على بنيته متماسكة ، إنه الجزء الجماعي في الفرد ، وهو الذي يبقي الصلة متوهجة على نحو سلمي بين الأفراد، حيث توفر تواطئا قبليا على ما هو مقبول وما هو مرفوض ، وفي اللحظة التي يقمع الأنا الأعلى فيها غرائز الهو يفتح أفقا للتواصل المشترك مع الآخرين من نفس المجتمع .


ذلك هو الكائن حسب فرويد وحسب هذا العرض المبتسر الذي أسوقه للنظرية والتي حاولت تبسيطها إلى الحد الممكن ، إن العالم النفسي للإنسان يقوم على ثلاثة أنظمة هي : الممثل الغريزي (الهو)، والممثل القيمي (الأنا الأعلى)، وجهاز الإدارة الواقعي (الأنا).


الشديد الوضوح هو أننا أمام صراعات مستمرة بين هذه الأنظمة ، قد تكتب الغلبة فيها لأحد هذه الأنظمة فيسم الكائن بسماته التي تظهر في السلوك ، الإنسان الطبيعي – العادي أو الغالبية الكبرى - هو من يمتلك أناه القوة بحيث ترضي الهو دون أن تزعج الأنا الأعلى ، بصياغة أخرى ؛ لو مثّلنا هذه الأنظمة بيانيا بثلاث دوائر متداخلة لبدت دائرة الأنا أكبر من لِدَّاتها ، بلغة أكثر تبسيطا - على حساب المعنى - من يستطيع التوفيق بين مبدأ اللذة والمبدأ الأخلاقي.


ملاحظة قصيرة ومهمة على ما سبق هي أن هذه الأنظمة ليست متمايزة بالدرجة التي تظهر في هذا العرض ، إنها متداخلة أكثر مما قد نتصور!ملاحظة أطول على ما قد يلحق هي أنني لن أمارس دورا من أدوار التحليل على كائن محدد ماثل أمامي بل كائن افتراضي ، أعرض سيرة مفترضة وإن لم أنجح في ذلك فيكفي أن تتخذ النظرية وسطا تعبيريا شارحا (اللغة الوسيط) ، بالطريقة ذاتها التي نستعير فيها مصطلحا من حقل معرفي معين للتعبير عن ظاهرة لكن ما أستعيره هنا هو نظرية (عدة مصطلحات).


مسار تطوري


يوظف الأنا جزء من طاقة الهو في تطوير وتقوية العمليات المنطقية الواقعية ، في مجتمع يقيم شبكة الحقيقة الخاصة به على مفاهيم غير مادية ، امتدادات غيبية من نوع ما ، فيما تُسْتدمج هذه الأخيرة في بنية الأنا الواعية على أنها جزء من الواقع ، ويظهر ذلك في ممارسات خارجية مثل - والأمثلة كثيرة وإن اخترنا على حذر - الاستشفاء بالطلاسم السحرية وما شابه مما يستتبع المنظومة المفهومية الغيبية للمجتمع ، في حين يُنمّى الأنا الأعلى على هيئة مدعومة من قبل هذه الشبكة المفهومية وإن بانفصال في الصورة والآلية ، حيث يستدمج الأنا "الواقعيَ" في حين يستدمج الأنا الأعلى الأفعالَ القامعة (العقاب) والمثالية (الثواب).


ما يحدث هنا هو تطابق بين الواقعي والأخلاقي .. إن الأنا يحفظ الكائن بعيد عن حتفه ، وبالتالي فما يشكل خطر واقعيا مثل شفرة سكين أو أفعى أو شرطة مكافحة الجرائم يدفع الأنا للانحياز بالكائن عن التهديد ، وبالمثل في الواقعي الغيبي مثل ساحر أو رماد أو جني أو العذاب أو.. أو ..الخ ، كل ذلك يوجب على الأنا حفظ الكائن من الخطر المحتمل .


وفي حين يجد الأنا مبررات وجهته الأخلاقية (الاحترازية) من خلال قانون تجنب الألم "الواقعي" ، فإن الأنا الأعلى - الذي لا يدرك فنون الجدل ولا المنطق - والذي يطور ويستدمج تحريمات ومثاليات المجتمع يتوقف عن التطور بسبب اختفاء السلوك اللاأخلاقي ، السلوك المقموع سلفا من قبل "واقع" الأنا الغيبي ، وينصرف المجتمع عن ممارساته المربية بسبب حصوله على احتياجاته من الأنا ، نستطيع القول أن الأنا الأعلى موجود ضعيف قوي بغيره .


في ظل هذا القمع المشترك من قبل الأنا والأنا الأعلى يكبت "الهو" بشدة ، مما يسمح للأنا بتطوير أكبر لعملياته المنطقية من خلال الانغماس في معارف ذهنية "واقعية" ، وسيبدو الكائن متمثلا أكثر لمثاليات المجتمع ومنغمسا أكثر في تفاصيلها ، وقد يلمح بعض التناقضات في الواقع الغيبي لكن دفعات الأنا الأعلى ما تزال قادرة على رده إلى الطريق القويم.


صدمة اكتشاف


في المجتمع الذي نتحدث عنه يبدو فيه الواقعي المادي مختلطا بالغيبي ، وهو ليس مجتمعا بسيطا البتة ، بل متطور إلى حدود هائلة فيما يخص بناه المختلفة ، وعندما يكون هذا المجتمع متسع جغرافيا ومتصل إعلاميا ، يكتسب مثقفنا - موضوع الحديث - وعيا مبنيا على المقارنة ، حيث تتداخل ثقافات عدة تتقاطع مع تصوراته في المستوى ذاته ، إن هذا الوضع الذي نتحدث عنه يحدث الآن بصورة مذهلة كما كان يحدث في أوج الحضارة العباسية ، إنها فقط مسألة أدوات سريعة وبطيئة ، إن وعي المقارنة بين المجتمعات معرفيا يظهر عند مفكرين عدة بصورة واضحة كما في كتابات المعري مثلا .


شبكة المفاهيم المكتملة عند مثقفنا تواجه إعادة تقييم على ضوء معارف منتجه من قبل مفكرين ينتمون لمجتمع آخر ، إنه نمط من النقد الذاتي الذي يتوسع فيه المثقف رأسيا وأفقيا في الواقع الذهني ، إنه توسيع للرؤية تماما كما يحدث للكائن الذي يدخل مجتمعا مختلفا فيشهد بأم عينيه أن محرماته الاجتماعية مثاليات هذا المجتمع وذلك يجعله في وضع رفض أو تبني أو قرف أو حيرة أو تفوق أو ضعف .


ما يحدث للكائن الذي نفترضه الآن هو إعادة فلترة لشبكة الحقيقة الخاصة به ، رفض جانب من الحقائق التي لم تعد واقعية وسينتهي به الأمر إلى اكتشاف أن المشترك بين المجتمعات المعرفية المختلفة هو ذلك البعد المادي الصِرف ، وسنفترض أن ذلك سيؤدي إلى تعميق رؤية مادية وسينتج من ذلك إعادة بناء لجهازه المنطقي ولمنظومة إنتاج الحقائق .


حرب الأنظمة الداخلية والتعزيزات الخارجية


ما من شك أن انهيار شبكة المفاهيم الذهنية التي تمثل الحقيقة كما أملاها المجتمع لن تمر بسهولة هكذا ، حيث أن هناك مستفيدين هما النظام الاجتماعي المحلي وحليفه الداخلي الأنا الأعلى ، وبما أن الأنا الأعلى لا علاقة له بالوعي المنطقي ولا صراع المفاهيم وإنما بالمحرمات والمثاليات ، وفي حالة وجود أنا أعلى ضخم فإن تغيرات الأنا على مستوى الممكنات والمُهلكات لن يؤثر في السلوك الخارج حيث يظل الأنا الأعلى محافظا على إرسال دفعاته القامعة وسيدرك الكائن بالطبع أنه متناقض في العمق ، يتبنى فكرة على المستوى الذهني يعجز عن تنفيذها على مستوى السلوك ، وتلك حالة مشهورة في أفراد المجتمعات المعاصرة المواجهة بمد حضاري خارجي ضخم ، وفي حالات معينة سيظهر الصراع على السطح على هيئة سلوكات عنادية تستهدف قيم المجتمع فيما هي في الأصل تحاول مواجهة القلق المثار والمشاغب من قبل الأنا الأعلى كما أن المجتمع وبسبب اللحمة الرابطة بينه وبين الأنا الأعلى سيمارس دورا قامعا هو الآخر ضمن آليات الإقصاء الضرورية من أجل إبقاء المجتمع متجانسا فيما لا يبصر الكائن حجم الخطر القادم من الخارج بسبب الحجم الأضخم للخطر القادم من الداخل وهذا يدفع الأنا إلى إعادة التواصل مع الهو المكبوتة سابقا وسيبدو هذا الكائن عنصرا قلقا ومثيرا للمتاعب على الدوام ، إنها حالة ثقافية أكثر منها زخما سالبا وهي ضرورية من أجل التغيرات المستقبلية الدائمة للمجتمع .


سيظهر هذا السلوك الظاهري على حالة المثقف الذي نتحدث عنه في البداية على الأقل ، وكما أسلفنا فإن أناه الأعلى ضامرة ، خصوصا فيما يتعلق بنظام الوعي الناشيء عن آليات العقاب المجتمعية في حين يبدو نظام الأنا المثالي أكثر ضخامة وهو ما سيمارس دورا قامعا أكثر من خلال دفعات الشعور بالنقص عن ملاقاة ما هو مثالي على مستوى السلوك ، سيقوم الأنا بالاستعانة بالهو من أجل تدبيج دعامات صادة لدفعات الأنا الأعلى وبتطوير آليات تلقي احتوائية ، لا من خلال الشبكة المفهومية المنهارة بل من خلال النظام الجديد ، وهو ما يستدعي بناء أنا أعلى جديد على الأقل عبر الانغماس في الإنتاج المعرفي والتنظيري الذي أفترض في الأساس أنه عمل المثقف .


بالطبع فإن الطابع النكد والمشاكس الذي سيسم سلوكه ، سيتم تطويره من خلال تجارب المواجهة وهو مفتوح على عدة احتمالات ؛ نفيا دائما أو عملية مصالحة مبنية على مقايسات خاصة أو ربما رؤية عدمية أو برجماتية من نوع ما .

فقدان لذة النص



إهداء:  إلى شيخي أبي مسلم الرواحي سلام عليك في أي جسد كنت الآن

ملاحظة: عندما أستخدم صيغة المخاطب المذكر فإنني أعني أيضا المخاطب المؤنث ، من الصعب جدا استخدام الصيغتين معا لأن المقال سيبدو مربكا وربما تشوشت الفكرة ، لذلك أنا أعتذر فهذه هي إكراهات اللغة .

المقال:
لشاعر عمان العظيم أبي مسلم الرواحي بيت كان يخترق أرواحنا عندما كنا صغارا ونحن نتلمس مفردات العالم شيئا فشيئا،
نقي من غبار الأرض بيض ثيابنا
وتلك رفات الهالكين تطير
إن الشطر الأول الذي يسرد فعلا آليا (توقي الغبار) ينفتح على جملة شعرية صادمة تجعل مئات الأجساد الهالكة تبزغ فجأة في طرف دشداشتك ، يفترض النص علاقة انفصال بين الأحياء والأموات ، ثم يقيم على أساسها علاقة اتصال من نوع استعاري ، هناك بالتالي أحياء يجب أن لا يتلبسهم الزهو لأن مصير الفناء المستقبلي يتطاير إليهم مع ذرات الغبار .
إذا استطعنا تخيل النص على أنه مقتطع أرضي ذو طبقات جيولوجية فإن تصوراتنا حول العالم ، وعلاقة الكائن بالكائنات ، تُشكل طبقة جيولوجية لا يمكن تصور وجود نص لا يحيل أو ينبني عليها ، سنسمي هذه الطبقة بالطبقة الوجودية أو طبقة "الحقيقة" ، تنبني الطبقة الاستعارية الشعرية عليها وتتخذ منها مسوغا لممارسة لعبة الدهشة ، سيبدو النص هنا ذو طبقتين فقط لأننا عن قصد سنتجاهل بقية الطبقات الأخرى كما أن استعارة علم الجيولوجيا فعل اختياري حتى لا أقول اعتباطي بمعنى أنه يمكن استعارة علوم أخرى للتعبير عن مركبات النص أيضا .
يقوم البيت على افتراض أن الأموات يتحولون إلى تراب ويبقى هذا التراب بعيدا عن الكائن الحي طالما داوم على الاغتسال ، وهي الحقيقة ذاتها التي يبني عليها الخيام أحاديثه مع القدور ومع جدران الطين ، يحاول هذا المقال أن يناقض هذه الحقيقة ، إن بيت أبي مسلم لم يعد صالحا للتبني ، إن اللذة القائمة على بروز هذا التناقض بين الحي والميت تتلاشى لحظة أن تدرك فكرة "وحدة الوجود" القائمة على المساواة بين الوردة والحجر في تركيبها الذري ،، إن الهواء والخشب وشفتي طفلك الدائم الصراخ تتكون من العناصر ذاتها ، وحتى نقرب الفكرة نستطيع تشبيه المسألة بالكلمات والحروف الأبجدية ، فرغم أن كلمتي "قمر" و "رمق" ذاتا شكلين مختلفين إلا أنهما تتركبان من نفس الحروف وهكذا يكون الماس والفحم والأشجار والحيوانات كلمات في أبجدية الطبيعة ،جسدك كلمة في هذا النص الذري ، وإذا فضلت أن تقول جملة فإن ذلك ممكن أيضا.
لنقل إن البيت الشعري لا يتواءم مع الطبقات الجيولوجية التي يقترحها المقال ولنقل أنني أحاول الذهاب أعمق في إعادة تركيب العلاقة بين الكائنات الحية والميتة.

ما سنناقشه هنا بالتالي ليس الشعر بل الطبقة السفلية للنص ، طبقة التصور الوجودي للحقيقة والعالم والأشياء من حولنا ، الحقيقة المقترحة التي يمكن أن تنبني عليها نصوص شعرية أخرى جديدة تتوافق مع تصوراتنا عن الإنسان ، وبما أنه لا بد لكل حقيقة من الاتكاء على شرعية ما فإن هذا المقال يستعير العلم الطبيعي للوصول إلى إعادة تركيب هذه العلاقة .

إن المفارقة تبدأ من فكرة أن جسدك الذي يمتد زمانيا بضعة عقود يتكون من ذرات قديمة جدا ، لا بد بالتالي أن تكون هذه الذرات في مكان ما قبل ولادتك ، في مكان ما من الكرة الأرضية على التحديد لأن كتلة الأرض لا تزيد (ثابتة تقريبا) ، والمعادلة هنا سهلة وبسيطة ففي اللحظة التي تزيد فيها كتلة جسدك تنقص فيها كتلة الأرض ، بحيث تبقى الكتلة الكلية ثابتة.

عندما تقضم تفاحة مثلا فأنت تسمح لأجزاء التفاحة أن تصبح جزءا منك ، إنها علاقة قائمة على الحب ، تستضيف هذه الكائن الأحمر في جسدك ثم تخلق علاقة تماهي بينكما، وبما أنك كائن مدني تحس أن الحشرات والكلاب والقطط لا تصلح أن تنتقل إلى جسدك لذلك ترفض التهامها ، لكن التفاحة لا تفكر بهذه الطريقة ، دعنا ندرس "النَسَب الذري للتفاحة" أو قل لنسرد هذا السياق الممكن ، يموت فأر صغير تحت شجرة تفاح ،لا أحد يكترث عادة بموت فأر سوى الأطفال أوالبكتريا والفطريات ، وهذه الأخيرة هي ما يهمنا ، تقوم هذه الكائنات الدقيقة بتفكيك الروابط العضوية في هذا الكائن المنقرض ، لنقل بلغة سهلة يتحلل إلى عناصر أولية ، مفيدة لشجرة التفاح التي تمتص هذه العناصر لتكوين تلك التفاحة الصغيرة التي وقعت بين يديك ، وبالتالي هل هي ذرات التفاحة التي تسكن جسدك الآن أم ذرات الفأر ؟ ، بعد سنوات تتحول بدورك لكائن ميت يعيد هذه الذرات إلى شجرة أو إلى الطبيعة ، فأر .. تفاحة ..إنسان ..شجرة ..ثور .. إنسان..سمكة .. إنسان .. تمارس الذرة رحيلا مستمرا وتنتقل بين أجساد عدة وهكذا تمتلك كل ذرة في جسدك تاريخا ، ولا يعود هناك أي فرق ذراتي بين جسدك والغبار من حيث التاريخ والمنشأ، وسندرك حتما ونحن نوسع بيت أبي مسلم أنها رفات الهالكين تقي نفسها من رفات الهالكين.

إن رفات الهالكين السالفة الذكر لا تنتهي إلى التراب ، لا يشكل التراب سوى جزء من رحلة العودة إلى جسدك مرة أخرى ، جسدك الذي هو عبارة عن بقايا كائنات ميتة وقديمة ،(لا معنى بعد ذلك للدهشة القائمة على الانفصال) ، تعودت النظر إلى جسدك باعتباره كتلة منفصلة وهو ما يوحي به الحس المباشر، وربما كان غرورك المبرر باللون أو العرق يسوغ لك هذا المعنى ، غاضا بصرك عن أن هذه الكتلة الآخذة في النمو على هيئة دالة تربيعية سالبة تُقتطع من أجساد كائنات أخرى ، جسدك الذي تم استعماله مئات المرات من قبل كائنات قديمة ومنقرضة ، إن المسألة برمتها فعل اقتصادي تمارسه الطبيعة على ذراتها تماما كما يحدث عند إعادة تحلية مياه المجاري لتصبح صالحة للاستعمال مرة أخرى دون أن تفقد شيئا من طبيعتها ودون أن تحمل شيئا مما يخص المرحلة السابقة.

قلنا أن النص يفترض علاقة انفصال بين الأحياء والأموات ، وهذا بالذات ما يجعل لذة النص القائمة على التلبس بالصدمة تنهار وتفقد هيمنتها ، إن علاقة الانفصال هذه غير "حقيقية" ، يصبح النص عندها تاريخا يقرأ حسب معطيات عصره ، ولا يخلق اللذة على الأرجح إلا في حالتين ، إما أن المتلقي يتبنى أفعال التلذذ الأدبي عن طريق دغدغة الذاكرة أو ينتمي إلى عصر معرفي سابق وهو إذ ذاك سادر عن التو واللحظة وعن رؤى العصر.


ملاحظة :لم يعد هناك مبرر لاحتقار الكلب الذي يعوي تحت النافذة هذا المساء مقلقا نومك ، فربما تشاركتما ذرات الكائن المنقرض منذ أعوام ، يعمل العلم الطبيعي هنا بسبب طبيعته التجريدية على تهشيم البنية الطبقية الاجتماعية المستندة على معارف قديمة فهو يكشفنا أمام أنفسنا ، ذلك الاتصال الحميمي بين الكائنات . كان من الممكن أن أجعل عنوان الحديث "في هجاء الطبقية" لكن ما يشغلني أكثر هو شيء آخر : تلك العلاقات القائمة بين أعلى النص وأسفله.